لأن بعضها قد يكون من الجن، وربما يتلبسون بالإنسان أي: يدخلون في جوفه حتى يكون
كاللباس له، فيصرعونه ويؤذونه، وقد أشار الله تعالى إلى هذا بقوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: ٢٧٥] يعني: مثل
المصروع الذي صَرَعَه الشيطان، وهذا الصرع أي: صرع الجن للإنس لا ينكره إلا
الملاحده كما قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: إنهم لن يصلوا إلى هذا
النوع من الصرع فجعلوا ينكرونه، ويحيلون جميع أنواع الصرع إلى صرع الأعصاب والمخ
وما أشبه ذلك.
وصرع الجن للإنس معلوم بالمشاهدة أيضًا فلا ينكره إلا مكابر، كيف
ذلك؟ لأنه شوهد مَنْ يُصرع، ويُخاطَب الجني الذي صرعه مخاطبة صريحة واضحة، وجرى ذلك
على يد أئمة الإسلام كالإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم إلى يومنا هذا؛
جيء مرة بمصروع إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فوعظ الجني الذي صرعه ونصحه
وقال له: اخرج، وقال: إني لا أخرج إني أحبه، وكانت امرأة التي صرعته، صرعت الرجل
امرأة قالت: إني أحبه، فقال شيخ الإسلام: لكنه لا يحبك، فقالت: إني أريد أن أحج به.
كيف؟! تحمله إلى مكة، فقال: إنه إنه لا يريد أن يحج معكِ، ثم وعظها فلم تتعظ، ثم
ضربها شيخ الإسلام ابن تيمية، جعل يضربها على رقبة هذا المصروع يقول: حتى تعبت يدي
من الضرب، فقالت: أنا أخرج كرامة للشيخ، فقال: لا تخرجي كرامةً لي، اخرجي طاعة لله
ورسوله، فخرجت على ألا تعود، فأفاق الرجل، لما أفاق قال: ما الذي جاء بي إلى حضرة
شيخ الإسلام ابن تيمية؟ فقيل له: قد فعل كذا وفعل كذا، قال: والله ما أحسست بشيء من
هذا؛ لا أني خاطبته، ولا أنه ضربني، وهذه القصة ذكرها ابن القيم في زاد المعاد
عن شيخه، وابن القيم ثقة، وشيخ الإسلام كذلك ثقة، وقد ورد مثل ذلك عن الإمام
أحمد.
إذن الجن نقول في تعريفهم: عالم غيبي مستترون عن الإنس وربما يظهرون،
ومنهم صالح ومنهم دون ذلك، ومنهم قاسط، ومنهم مسلم، ويأكلون ويشربون ويبولون
ويتقيئون، كل هذا ثبت في القرآن وفي السنة.
يقول: وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِمَنْبمعنى الذي يعمل بين يديه فهي اسم موصول، وما محلها من الإعراب؟ يحتمل أن يكون
محلها الرفع على أنها مبتدأ مؤخر، وخبره مِنَ الْجِنِّ،
ويحتمل أنها في محل نصب؛ يعني: وسخرنا له من الجنِّ من يعمل بين يديه، وأيهما أولى؟
نحن ذكرنا قاعدة أنه إذا دار الأمر بين التقدير وعدم التقدير فعدم التقدير أولى؛
لأنه الأصل، الأصل أن الكلام لم يُحذَف منه شيء، وعلى هذا فنقول: مِنَ الْجِنِّجار ومجرور خبر مقدم، ومَنْ يَعْمَلُمبتدأ مؤخر.
مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِيديْ مَن؟ يدي سليمان، يعني: أمامه، لكن (بِإِذْنِبأمر رَبِّهِ)، والإذن هنا كوني ولَّا شرعي؟
الإذن كوني، بإذن الله الكوني؛ يعني أن الله سخَّر الجن يعملون بين يدي سليمان
بإذنه، بأمره الكوني، وقد يقال: إنه إذن شرعيٌّ بدليل قوله: وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ.
قال: (وَمَنْ يَزِغْيعدل)، وقيل: يَمِل أي: يميل، وهذا أقرب، ومنه: (زاغت الشمس)
أي: مالت عن وسط السماء.
وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْيعني: يميل (عَنْ أَمْرِنَاله
بطاعته) لَهُأي: للجنِّ، بطاعته أي: بطاعة سليمان
(نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِالنار في الآخرة) نُذِقْهُما الذي جزمها؟ مَنْلأنها جواب الشرط، وفعل الشرط يَزِغْ.
نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِأي: نعذبه بالنار حتى يذوق عذابها، وهل هذه نار الدنيا ولا
الآخرة؟ قال المؤلف: (في الآخرة، وقيل: في الدنيا بأن يضربه ملك بصوت منها ضربة
تحرقه)، والله أعلم، هل إن عذابه في الدنيا بواسطة ملك، أو أن سليمان أُذِنَ له
بتعذيبهم في النار.
على كل حال الذي يزيغ من الجن عن أمر الله سبحانه وتعالى
بطاعته سليمان هذا يعذب بالنار؛ إما في الدنيا، وإما في الآخر، ولكن إذا قلنا: إنه
في الدنيا فإنه لا يتعين أن يكون الأمر كما قال المؤلف: (إنه ملك يضربه بسوط
منها حتى يُحْرِقَه)، والله أعلم.
طالب: (...) وفي
قراءة؟
الشيخ: المعروفة بالنص.
الطالب: (...).
الشيخ: كلاهما
سبعية.
الطالب: وقراءة الرفع؟
الشيخ: إي، أقول: تعبيره غير مألوف، المعروف يقول: وفي قراءة
بالرفع، ثم يبين وجهها.
طالب: قلنا: إن أمر الله عز وجل
للجن بطاعة سليمان والتسليم له أمر كونيٌّ..
الشيخ: إذن
له.
الطالب: (...).
الشيخ:
إذن كوني، نعم.
الطالب: أليس طاعتهم لسليمان وتسخيرهم
له عبادة لله عز وجل بالنسبة لهم هم.
الشيخ: بلى، ولهذا
قلنا: فيه احتمال إذن شرعي، ويؤيده قوله: وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا.
الطالب: ما يكون هذا
هو الأولى؟
الشيخ: هذا أرجح، لكن ما يمنع
الأول.
طالب: (...) صحة هذا القول: الرجل يتلبس به
مرأة، والعكس إن المرأة يتلبس بها الرجل من الجن صحيح هذا؟
الشيخ: لا ما هو صحيح، قد يتلبس بالرجل رجل ويكون مثلًا مولعًا
بسبب من الأسباب، وكذلك بالعكس.
طالب: ما فائدة إذابة
النحاس لسليمان؟
الشيخ: فائدته أنه يعمل فيه ما شاء،
إذا كان ذائبًا مثل الماء يتصرف فيه كيف يشاء.
طالب:
(...).
الشيخ: أما تقرأ آخر الرحمن؟ أسألك.
الطالب: (...).
الشيخ: اقرأ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن: ٤٦]،
اقرأ وَلِمَنْ خَافَ، اقرأ.
الطالب: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ.
الشيخ: اقرأ اللي بعدها فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٤٧]
الخطاب في ربكما يعود لمن؟
الطالب: للجنِّ
والإنس.
الشيخ: طيب، إذا كان الجن لا يستفيدون من هاتين
الجنتين، فما فائدة خطابهم بقوله: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ؟ ثم إنه قال في نفس الآيات: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ [الرحمن: ٥٦]، وهذا أيضًا
يدل على أنهم يدخلون الجنة، وهذا هو الصحيح اللي عليه جمهور العلماء، أما دخولهم
النار الكافر منهم فإنه بالاتفاق؛ لأنه نصَّ الله عليه في القرآن، وأما دخول المؤمن
منهم الجنة فهذا هو الصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم.
الطالب: (...) قول الله تعالى: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٣١] ما يمنع؟
الشيخ: نعم، ما يمنع، ما قال: (ويدخلوا الجنة)؟
الطالب: (...).
الشيخ: طيب هذه الآية
ما فيها دليل أنهم يدخلوا الجنة، لكن هل فيها دليل أن دخولهم الجنة ممنوع؟ لأن مَنْ
أُجِير من العذاب فليس هناك إلا داران، دار الآخرة ما فيها إلا داران إما نار وإما
جنة.
الطالب: (...).
الشيخ:
لا، يلزم، ما دام ما فيه إلا داران، وعندنا آيات كثيرة تدلُّ على من آمن وعمل
وصالحًا فله جنات المأوى.
قال الله تعالى:
وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ.
من فوائد الآية
الكريمة: أن الله تعالى قد يُسَخِّر بعض الأمور الكونية لبعض عباده آيةً له؛
لأن الريح -كما تعلمون- لا أحد يستطيع أن يُصَرِّفها كما يشاء، ولسليمان سُخِّرَت
له تجري بأمره، فيستفاد من هذا أن الله قد يُسَخِّر بعض الأمور الكونية آية لبعض
عباده كهذا.
وهل يمكن أن يَأتي مثلُ ذلك لغير الرسل؟ الظاهر أنه لا يمكن، وما
ذُكِرَ عن بعض الخلفاء أن الله تعالى سَخَّر له الريح يأمرها كما يشاء وتنقُل جنده
فإن هذا في صحته فيها نظر، والظاهر أن مثل آية الأنبياء لا تكون كرامة للأولياء،
صحيح أن بعض آيات الأنبياء تكون كرامة للأولياء، أما الآيات الكبيرة كهذه الظاهر
-والله أعلم- أنها لا تكون.
ومن فوائد الآية الكريمة:
أن للريح سرعة عظيمة، كما قال:
غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ.
ومن فوائد الآية
الكريمة: وجود الجن، وهذا ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين؛ ولهذا مَنْ
أنكر وجود الجن فقد كذَّب القرآن، ويُحْكَم بكفره، لكن هل الجن يعملون للإنس أو لا
يعملون؟
نقول:
من فوائد الآية الكريمة: أن الجن
يعملون للإنس؛ لقوله:
وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ولا شك أن عملهم بين يديه آية له دالة على نبوته وعلى رسالته،
لكن هل يعملون لغير الأنبياء؟ يقول شيخ الإسلام: نعم، إنهم يعملون لغير الأنبياء،
وعملهم لغير الأنبياء له سبب؛ إما أن يكون سببه الشرك؛ بمعنى أن الجن تأمره أن
يُشْرِك فيعبدهم، أو تأمره أن يُشْرِك فيعبد من يعظمونه، هذا واحد.
وقد يكون
سببه أنهم يَعشقون هذا الإنسان فيحبُّونه حبًّا يعني ليس لله، لكن مثلًا لجمال
صورته، أو ما أشبه ذلك. ومنها أنهم يعملون له -من أسباب ذلك- يعملون له محبة لله؛
لكونهم صالحين فأحبوا هذا الرجل الصالح فعملوا له، عملهم له يقول شيخ الإسلام: إن
عملوا له أمرًا مُحَرَّمًا كان ذلك حرامًا، مثل أن يستخدمهم في آذية المسلمين، أو
في الاعتداء على شخص معين يُرَوِّعونه، أو ينفِّرون إبله أو ما أشبه ذلك، فهذا
حرام، فإذا استعان بهم بطريق المعصية أو من أجل المعصية كان ذلك حرامًا بلا شك، أما
إذا استعان بهم في الأمر المباح فإن هذا لا بأس به إذا خلا عن شرك وعن عدوان على
الغير.
فإن قلت: إن القول بإباحة الاستعانة بهم في غير المعصية يُشْكِل عليه
قوله تعالى:
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: ١٢٨]، فإن ظاهر هذا أنه
لا يجوز أن يستمتع الجن بالإنس، ولا الإنس بالجن؟
فالجواب على ذلك (...).
فلا
بأس به، وقد ذكر رحمه الله في كتاب
النبوات وفي كتاب
إيضاح الدلالة على
عموم الرسالة ذكر أشياء واضحة عن السلف بأنهم ربما ينتفعون بالجن في الإخبار عن
الأشياء البعيدة، والأمر الواقع شاهد بذلك، فإننا نسمع قضايا عن بعض الناس أن
الجِنَّ تعينهم على ما يريد مع صلاحهم وعدم شركهم وعدم معصيتهم.
فإذا قلت: هل
ممكن أن يعتدي الجنيُّ على الإنسي؟
فالجواب: نعم، يمكن. وهل يمكن أن يعتدي
الإنسيُّ على الجني؟ نعم يمكن، أما الأول فظاهر كثيرًا أن الجن يعتدون على الإنس؛
أحيانًا يُرَوِّعونهم في الطُّرُقات، بل وربما في البيوت، وأحيانًا يُفْسِدون عليهم
شؤونهم، وأحيانًا يرمونهم بالحجارة، وأحيانًا يؤذونهم بالأصوات، وهذا شيء لا يحتاج
إلى طلب بالدليل؛ لأنه أمر واقع مشاهد.
وكذلك الإنس ربما يعتدون على الجن؛ فلو
أن أحدًا استجمر بعظم أو بروث لكان معتديًا على الجن؛ لماذا؟ لأن العظم طعام الجن
والروث طعام دوابهم
فيكون
في هذا عدوان من الإنس على الجن.
طيب، وهل يمكن أن يدخل الجنيّ في بدن الإنسيِّ؟
نعم، ولا يحتاج إلى طلب الدليل؛ لأن هذا أمر واقع محسوس ثبتَتَ به الأخبار وتواترت
وشاهده الناس، وقد ذكرنا أن الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية يؤتى إليهم
بالمصروع فيخاطبونه ويكون الخطاب على مَنْ صَرَعه، ويضربونه أيضًا ويكون الضرب على
من صرعه، أي: على الصارع لا على المصروع، وفي القرآن ما يشير إلى ذلك في قوله
تعالى:
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: ٢٧٥]، والمس معناه الصرع؛ ولهذا يقال: به مس من الجن أي صرع، والذي يتخبطه الشيطان
من المس يكون مخبلًا لا يَحُسُّ ولا يعرف.
قال أهل العلم: إن هؤلاء يقومون من
قبورهم كمثل المجانين الذين أصابتهم الشياطين.
وأما إنكار بعض الناس لهذا فقد
قال شيخ الإسلام: (إن هؤلاء الفلاسفة الذين أنكروا ذلك لا يعلمون من الشرع كما
يعلمه أهل الشرع فهم ينكرون ما غاب عنهم، ولا يُقِرُّون إلا بالشيء المحسوس) وأنكر
عليهم إنكارًا عظيمًا في
زاد المعاد.
ومن فوائد
الآية الكريمة: أن الجن يُشَاهَدون أو قد يُشَاهَدون ممكن مفهوم
الآية؟
طالب: نعم.
الشيخ:
من أين؟ من قوله:
مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فإن
الظاهر أنهم يُشَاهدون وهم يعملون بين يَدَي سليمان يعني أمام عينيه.
ومن فوائدها: أن الجن مُكَلَّفون بمعنى أنهم إذا خالفوا
عُذِّبوا، ومن تمام عَدْلِ الله أنهم إذا وافقوا نُعِّمُوا، أما كونهم يعذبون إذا
خالفوا فهذا أمر متفق عليه بين العلماء، وأن كافرهم يدخل النار، وأما دخول المؤمن
منهم الجنة ففيه خلاف بين العلماء، والصواب أنهم يدخلون الجنة؛ لقوله تعالى في سورة
الرحمن وهو يخاطب الجن والإنس:
وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٤٦، ٤٧]، فيكون هؤلاء الجن إذا خافوا الله فلهم الجنة، وقال في أثناء ذلك
لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ [الرحمن: ٥٦]، وكلمة
وَلَا جَانٌّلا تتناسب مع الإنس، وإنما
تتناسب مع مَن؟ مع الجن، وهذا هو القول الحقُّ المتعين، ولا يعارض ذلك قوله تعالى
عن الجن الذين صرفهم الله للنبي صلى الله عليه وسلم يستمعون القرآن حين وَلَّوْا
إلى قومهم منذرين
قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٣٠، ٣١]، فيقال: إن الله إذا أجارهم من العذاب
الأليم فلازم ذلك أن يدخلوا الجنة؛ لأن الآخرة ليس فيها إلا داران هما الجنة أو
النار، فمن نجا من النار دخل الجنة ولا بد.
إذن الجنُّ مُكَلَّفون، لكن هل
تكليفهم كتكليف الإنس بمعنى أن صلاتهم كصلاتنا وصيامهم كصيامنا وحجهم كحجنا أو
يختلفون عنَّا؟
في هذا احتمالان:
أحدهما: أن يكون ما كلفوا به مساويًا لما
كُلِّفنا به من كل وجه ما دام الرسول صلى الله عليه وسلم مبعوثًا للجن والإنس، ولم
تأت السنة -بل ولا والقرآن- بالتفريق بين أحكام الإنس والجن، فالواجب أيش؟ إجراؤها
على ما هي عليه، وأن تكون هذه الأحكام ثابتة في حق الإنس والجن على حد
سواء.
والاحتمال الثاني: أن تكون الواجبات بالنسبة للجن موافقةً لما هم عليه
مناسبة لهم فلا يلزم على هذا أن يكونوا مساوِين للإنس؛ لأن الله عز وجل يَشْرَع
الأحكام مناسبة لمن شُرِعَت له فهذا المريض مثلًا هل عليه صوم؟ إذا كان المريض لا
يرجى زوال بُرْءِ مرضه ففرضه الإطعام، والفقير ليس عليه زكاة وليس عليه حج، فلما
كان اختلاف الشرائع ظاهرًا بالنسبة للإنس لاختلاف أحوالهم فإنه يلزم أن تكون
الشرائع أيضًا مختلفة للجن عن الإنس؛ لأن الجن لا شك كما قال شيخ الإسلام: الجن
مخالفون للإنس في الحَدِّ والحقيقة، فقدرتهم ليست كحقيقة البشر، وحدهم وحدودهم
وطاقاتهم ليست كحدود وطاقات البشر، فإذا كانوا مخالفين للبشر في الحدِّ والحقيقة
لزم أن يكونوا مخالفين لهم في الأحكام الشرعية، وهذا فيما يمكن الاختلاف فيه، أما
ما لا يمكن كالتوحيد والرسالة -أصل الرسالة وما أشبه ذلك- فهذا أمر نعلم عِلْمَ
اليقين أن الجن مساوُون للإنس في تلك الأحكام، لكن الكلام على المسائل الفرعية التي
يختلف فيها المخاطَبون باختلاف أحوالهم فالمسألة فيها احتمالان، ولكن شيخ الإسلام
رحمه الله جَزَم بأن الأحكام التي كُلِّف بها الجن تخالف الأحكام التي كُلِّف بها
الإنس، وأنهم مكلفون في الجملة بدون أن يساووا الإنس، والعلم عند الله.
تفسير الآيات (13-17)
00:29:29
ثم
قال الله عز وجل:
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَإلى آخره،
يَعْمَلُونَ لَهُلمَنْ؟
لسليمان، وهذا كالتفصيل لقوله:
وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِكأنه قيل: ماذا يعملون؟ ففصَّل، وقال:
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ،
مِنْبيانية مبينة للإبهام في الاسم الموصول وهو قوله:
مَا يَشَاءُ، لأن
مَااسم موصول،
ونحن نعلم جميعًا أن الاسم الموصول من الأسماء المبهمة، فقوله:
مِنْ مَحَارِيبَبيان لـ
مَا.
مِنْ مَحَارِيبَيقول
المؤلف:
(أبنية مرتفعة يُصْعَد إليها بدرج) هذه المحاريب، فالمحاريب عبارة
عن أبنية مرتفعة ذاتِ أسوار مَنِيعة، قال الله تعالى في داود:
وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ [ص: ٢١]، هذا واحد.
(وَتَمَاثِيلَجمع تمثال وهو كل شيء مَثَّلْتَه
بشيء أو صور من نحاس وزجاج ورخام، ولم يكن اتخاذ الصور حرامًا في شريعته)
التماثيل جمع تمثال، وهو ما صُوِّر عل مثال شيء آخر، فكل ما صُوِّرَ على مثال شيء
آخر فإنه يقال: تمثال له، وعلى هذا فيمكن أن نقول: لمن صَوَّر صورة شجرة، ونَحَتَها
من جسم، نقول له: إن هذا تمثال للشجرة، وكذلك نقول لمن نحت خشبًا أو حجرًا على صورة
حيوان نقول: إن هذا تمثال.
والمؤلف جزم بأن المراد بالتماثيل
(ما كان تمثالًا
لحيوان)؛ ولهذا قال:
(كل شيء مثلته بشيء -هذا أصل التمثال-
أي صور
نحاس وزجاج ورخام) النحاس معروف، والزجاج أيضًا معروف، والرخام كذلك.
يقول:
(ولم يكن اتخاذ الصور حرامًا في شريعته) وهذا مبني على أن المراد بالتماثيل
تماثيل ما يحرُم تصويره كالحيوان من إنسان وغيره، ولكن نقول: إن هذا لا يلزم؛ أي:
لا يلزم أن يكون المراد بالتماثيل هي صور الحيوان؛ فمن الجائز أن ينحتوا له مما ذكر
من النحاس والزجاج والرخام أن ينحتوا له أشياء على صور شجر، ويقال: إن هذا تمثال،
فيه الآن مُجَسَّمات يجعلوها على صورة نخلة، على صورة سيف، على صورة قصر، وما أشبه
ذلك، نقول: هذا تمثال ولَّا لا؟ تمثال، وفيه أيضًا مجسمات على صورة حيوان؛ أسد، أو
جمل، أو بقر، أو ما أشبه ذلك، هذا أيضًا تمثال.
فنحن الآن نقول: إن كان قوله:
مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَإنه عام
لتمثال الحيوان والأشجار وغيرها فنحتاج حينئذ أن نجيب بما أجاب به المؤلف، وهو أن
الصور في شريعته ليست حرامًا، ولكن ما دام الأمر غير لازم؛ إذ من الممكن أن تكون
التماثيل التي يأمرهم بها تماثيل أشياء يجوز تصويرها فلا حاجة إلى هذا
الجواب.
(وَجِفَانٍجمع جفنة كَالْجَوَابِجمع جابية وهي حوض كبير)،
جِفَانٍ كَالْجَوَابِالجفان ما هي؟ الصَّحْفَة
التي يوضع فيها الطعام،
كَالْجَوَابِجمع جابية،
والجابية هي الحوض الكبير، ومنه البِرْكَة تسمى جابية حتى الآن يسمون البِرَك
يسمونها جوابي، هذه الجفان على ما تقتضيه الآية الكريمة جفان كبيرة واسعة.
يقول
المؤلف يبين لنا سعتها:
(يجتمع على الجفنة ألف رجل يأكلون منها)، وهذا قد
يكون واقعًا، وقد يكون الأمر أكبر من هذا، وقد يكون دون هذا، المهم أن هذه الجفان
لعظمها وسعتها وكِبَرِها مثل أيش؟ مثل الجوابي، وهي الأحواض الكبيرة يعني
البرك.
(وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍثابتات لها قوائم لا تتحرك عن أماكنها تُتَّخَذ من الجبال باليمن يصعد إليها
بالسلالم) قُدُورٍ رَاسِيَاتٍقال العلماء: الراسي
الثابت، والقدور جمع قِدر وهو ما يطبخ فيه الطعام، وإنما كانت راسية لكبرها، كبيرة
راسية في الأرض، فهي لكبرها لا يستطيع أحد أن يتناولها ويقُلِّبها، والعادة أن
القدور راسية ولَّا منقولة؟ منقولة مقلبة، لكن هذه لكبرها وسعتها (...) راسية ما
تتحرك.
وقول المؤلف:
(لها قوائم) ما المراد بالقوائم؟ المناصب التي
تُنْصَب عليها، أرجل يعني، يقول رحمه الله:
(تُتَّخذ من الجبال باليمن) هذا
ليس بلازم أنها متخذة من الجبال، وإن كانت القدور قد تُتَّخذ من النحاس والحديد،
وكذلك من الأحجار يمكن تُنْحَت وتكون قِدْرًا، ويمكن أن تُجْعَل طينًا ويتخذ منها
الفخار، ولكن ليس بلازم، يعني تتخذ من الحديد والنحاس ومن الأحجار ومن غير
ذلك.
(وقلنا: اعْمَلُواياآلَ دَاوُودَبطاعة الله شُكْرًاله على ما آتاكم) أفادنا المؤلف
رحمه الله أن
اعْمَلُواجملة في محل نَصْبٍ لقول محذوف
التقدير: قلنا: اعملوا آل داود، وأما
آلَ دَاوُودَفهي
منصوبة بياء النداء المحذوفة أي: يا آل داود، وآل داود هنا ذريته وقرابته؛ لأن الله
تعالى أنعم على هذه القبيلة -قبيلة داود- بنعم عظيمة أنعم على أبيهم وعلى ابنه
سليمان.
وقوله:
شُكْرًاأفادنا بتقدير الشكر لله على
أن
شُكْرًامفعول من أجله، وأن مفعول
اعْمَلُوامحذوف تقديره بطاعة الله، يعني: اعملوا بطاعة لأجل
أيش؟ الشكر لله، ويحتمل أن تكون
شُكْرًامفعولًا به
لـ
اعْمَلُوايعني: اعملوا الشكر، والشكر هو الطاعة،
ولكن هذا الوجه نَسْلَم فيه من التقدير، أما على الوجه الأول فإنه لا بد أن
نُقَدِّر مفعول
اعْمَلُوا، الشكر عرفه العلماء بأنه:
القيام بطاعة المنعم في القلب واللسان والجوارح، أما في القلب فأن تعتقد أن ما بك
من نعمة فهي من الله، وأما في اللسان فأن تثني على الله بالنعمة؛ لا تذكر النعمة
افتخارًا بها على الناس، وأما الجوراح فأن تقوم بطاعة الله سبحانه وتعالى فيما يختص
بتلك النعمة أو بطاعته على سبيل العموم، والفرق بين هذا وهذا إذا قلنا: أن تقوم
بطاعة الله فيما يختص بهذه النعمة، فإذا أنعم الله عليك بمال فشُكْرُه الزكاة
والإنفاق وما أشبه ذلك، فإذا عصيت الله في غير ذلك لا يقال: إنك لن تقوم بشكر
المال، أما إذا قلنا: إن الشكر أن تقوم بطاعة الله فيما يختص بهذه النعمة وفي
غيرها، فإن الإنسان إذا أُنْعِم عليه بالمال وقام بحقه على الوجه الكامل، ولكنه
يعصي الله سبحانه وتعالى في أمور أخرى يقال: إن هذا ليس بشاكر، ولكن قد نقول: إن
الشكر نوعان:
شكر مطلق وهو الذي يقوم بطاعة المُنْعِم فيما أنعم به عليه فيه وفي
غيره.
وشكر خاص مقيد بهذه النعمة المعينة، فيكون هذا الشاكر إذا قام بما يجب
عليه في هذه النعمة المعينة شاكرًا، لكنه لا يُعْطَى وصف الشكور، ونظير ذلك ما سبق
لنا في التوبة؛ أن التوبة تصح من الذنب مع الإصرار على غيره، لكن لا يستحق التائب
وصف التوبة الملطلقة.
قال الله تعالى:
(وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُالعامل
بطاعتي شكرًا لنعمتي) قَلِيلٌخبر مقدم، والشكور
مبتدأ مؤخر؛ لأن المقصود الإخبار عن الشكور بأنه قليل، يكون تقدير الآية (...)،
والشكور من عبادي قليل، وقوله:
مِنْ عِبَادِيَهو متعلق
بما بعده، فلمَّا قُدِّم عليه صار في موضع نصب على الحال؛ يعني الشكور حال كونه من
عبادي قليل، وتعليل ذلك أن أكثر بني آدم أيش؟ غير شكور، بل هم ضالون، فبنو آدم يكون
منهم تسع مئة وتسعة وتسعون في النار وواحد في الجنة، ولا شك أن واحدًا إذا نُسِبَ
إلى المئة يكون قليلًا.
وقوله:
مِنْ عِبَادِيَالمراد بالعبودية هنا العامة أو الخاصة؟ العامة الشاملة للكافرين
وللمؤمنين.
(فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِأي على سليمان الْمَوْتَأي مات) إلى آخره.
قَضَيْنَاأي: قدَّرْنا عليه
الموت فمات، والقضاء هنا قضاء قدري، وقضاء الله سبحانه وتعالى نوعان: قدري، وشرعي،
فهنا
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِالقضاء قدري،
وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ [الإسراء: ٤] هذا أيضًا قضاء قدري؛ أي: قدرنا
عليهم ذلك.
والثاني قضاء شرعي، وهذا إذا تعلَّق بما أمر الله به فإنه قضاء شرعي،
كقوله تعالى:
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣] فالقضاء هنا قضاء شرعي، إذ لو كان قضاءً قدريًّا
لوقع، ولعَبَدَ الناسُ اللهَ كلهم بدون إشراك، هنا القضاء قدري.
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِأي: قدرناه عليه فمات، قال:
(ومكثَ قائمًا على عصاه حولًا ميتًا، والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة على عادتها
لا تشعر بموته حتى أكلت الأرضة عصاه فخرَّ ميتًا) نعم، كل هذا الذي ذكره المؤلف
واضح من الآية، لما قضى الله عليه الموت بَقِيَ مدة لا تَعْلَم الجن أنه مات، وهم
يعملون ولَّا لا؟ يعملون، تاعبين؛ لأنه قد كلَّفَهم بذلك، فمات وبقيَ متكئًا على
عصاه. أولًا: المؤلف رحمه الله يقول:
(بقيَ حولًا) تَقْييد هذا البقاء
بالحول ليس عليه دليل، لكن لا شك أنه بَقِي مدة وهم يعملون بين يديه، ولا يَدْرُون
أنه ميت، أما نُقَيِّدَه بحول أو بأقل أو بأكثر هذا يحتاج إلى دليل.
وقولنا: إنه
متكئ على عصاه فيه دليل من الآية؛ لأنه قال:
فَلَمَّا خَرَّوهذا لا يمكن إلا وهو متكئ.
يقول:
(مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِمصدر أُرِضَت الخشبة بالبناء للمفعول: أكلتها الأَرْضَة)
كلمة (الأرض) هل المراد بها الجنس أي: الدابة التي تكون في الأرض أو المراد بها
المصدر؟ المؤلف يرى أن المراد بها المصدر مأخوذ من قوله: أرضت الخشبة؛ يعني: أكلتها
الأرضة؛ يعني: ما دلهم على موته إلا الدابة التي (...) الخشب (...)، فعليه يكون
كلمة (أرض) مصدر أيش؟ أرض يأرض أَرْضًا، مثل ضَرَبَ يَضْرِب ضربًا، هذا تقرير كلام
المؤلف رحمه الله، وما قرره رحمه الله بعيد من مفهوم الآية؛ لأنك عندما تفهم إلا
دابة الأرض ما تفهم الذي قرره المؤلف أبدًا، بل الذي يتبادر إلى الذهن أن المراد
بالأرض الجنس؛ يعني إلا الدابة التي تخرج من الأرض.
تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُفيها إشكال هذه زيادة؛ وهي أن (من) حرف جر، وهنا
مِنْسَأَتَهُمنصوبة، كيف يكون هذا؟